المامقاني

485

غاية الآمال ( ط . ق )

في المكروهات وترك بعض المندوبات ومثل ذلك بعد تسليم كونه لسان الكراهة ليس مختصا بها بل هو كما يكون لبيانها يكون لبيان كون المعصية كبيرة ومع وقوع التصريح في الاخبار الصّحيحة بما هو حقيقة في التحريم وظاهر فيه لا يصلح مثل ذلك قرينة صارفة للفظ عن حقيقته بل يكون مؤكدا للحرمة وقد اعترف هو ( رحمه الله ) في باب صلاة الجماعة بان من أنواع الكبائر ما توعد عليه بالنار فكيف يصلح لصرف ما هو حقيقة في التحريم عن حقيقته نعم لو علم من الخارج كون الفعل مكروها أو مستحبا كان اللازم حمل ما ورد من الوعيد على فعل الأوّل أو ترك الثاني على المبالغة بحكم القرينة الخارجية كما في التهديد على الأكل وحده وترك غسل الجمعة والجماعة وامّا مع عدم قيام دليل معتبر على خلاف ما دلّ على الوعيد فلا وجه لصرفه إلى الكراهة فنقول ان واحدا من الاخبار إذا كان صحيحا ظاهر الدلالة كان حجة وكان ما عداه مؤيدات فلا يضر ضعف أسانيدها وامّا ما ذكره من أن التقييد بالأمصار في قوله ( عليه السلام ) نهى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عن الحكرة في الأمصار يشعر بالكراهة ففيه أن الإشعار لا يصلح صارفا للفظ النّهى عن حقيقته التي هي التحريم ويمكن أن يكون التقييد ناظرا إلى الغالب المتعارف من وقوعها في الأمصار دون البوادي كما لا يخفى على من التفت إلى معتاد الناس وامّا ما ذكره من أن قوله ( عليه السلام ) لا يحتكر الطعام إلا خاطئ يكون بناء على الحرمة من البديهيات لكن على الكراهة يكون المراد منه الشدّة التي هي بمنزلتها ففيه ان كونه بناء على الحرمة من البديهيات انّما يتحقق إذا كانت الحرمة من بديهيات كما لو قيل إن من خالف أمر اللَّه ( تعالى ) خاطئ وامّا إذا لم تكن هي من البديهيات وسيق مثل الكلام المذكور لبيانها فمن أين يكون من بيان البديهي ويعلم من هذا ما في قياس خبر الكفارة عليه واما ما ذكره من أن التفصيل بالأربعين والثلاثة مشعر بالكراهة ( فالظاهر ) ان وجهه هو ان الحرمة لا تقبل الاختلاف والشدّة والضعف ففيه ان ذلك انّما كان له وجه لو كان الاختلاف بالنسبة إلى موضوع واحد وامّا بالنسبة إلى موضوعين كما هنا فلا وجه له لأنّ الأربعين انّما هي في حال الرخص والسّعة والثلاثة انّما هي في حال الغلاء ولا مانع من مثل هذا الاختلاف في الحكم الإلزامي كما هو واضح وامّا ما ذكره من أن ما كتبه ( عليه السلام ) إلى الأشتر ناظرا إلى إطباق المعظم على الاحتكار المقتضى لإعمال لوازم السّياسة فلا ينافي كراهة أصل الاحتكار ففيه ان ذلك لا يلائم قوله ( عليه السلام ) فمن قارف حكرة ( انتهى ) الدال على انّها لو قام بها الواحد ( أيضا ) استحق العقاب والتنكيل مضافا إلى أن هذا الحمل اعتراف بما أنكره من دلالة الأخبار الَّتي هو من جملتها على التحريم وامّا حمل الأخبار الدّالة على التحريم على صورة الاضطرار فلا داعي إليه لما عرفت من عدم صلاحية ما زعمه صارفا للصّرف عنه مضافا إلى أن ذلك مناف لما نطق بتحديد الحكرة في السعة بالأربعين ضرورة عدم اجتماع الاضطرار والسّعة في حال واحد قوله وربما قدمت على نفاق وربما قدمت على كساد فحبست قال في المصباح نفقت المرأة والسلعة نفاقا بالفتح كثر طلابها وخطابها انتهى وقال فيه أيضا كسد الشيء يكسد من باب قتل كسادا لم يتفق لقلَّة الرّغبات فهو كأسد وكسيد انتهى وقوله حبست مبنى للفاعل ومفعوله محذوف والتقدير حبست الطعام لما قدمت على كساد قوله انّما كان ذلك قال العلامة الطباطبائي ( رحمه الله ) في المصابيح انّما كان ذلك أي المحتكر قوله ( عليه السلام ) فإن كان في المصر طعام أو متاع غيره فلا بأس ان تلتمس بسلعتك الفضل هكذا في الفقيه وكتب بعض شراحه ما نصه لعلّ تقديره أو كان عندك متاع غير الطعام ثم قال وفي الصّحاح السّلعة المتاع انتهى وحاصله على هذا التقدير نفى الحكرة عن غير الطعام ويحتمل أن يكون معطوفا على الطعام بل هو الظاهر ويكون التقدير أو كان في المصر غير الطعام والمعنى ان وجود غير الطعام ( أيضا ) مما يرفع حاجة الناس من سائر أقسام المأكول يرفع حكم الحرمة عن احتكار المحتكر وفي الوسائل ( أيضا ) ذكر لفظ الحديث على الوجه المتقدم ولكن في التهذيب فإن كان في المصر طعام أو يباع غيره بصيغة فعال من البيع ولعلّ العلَّامة الطباطبائي ( رحمه الله ) نقل منه حيث ذكره في المصابيح مطابقا له قوله ( عليه السلام ) بيعا سمحا قال في المصباح سمح بكذا يسمح بفتحتين سموحا وسماحا وسماحة جاد وأعطى ووافق على ما أريد منه إلى أن قال وسمح فهو سمح وزان حشن انتهى قوله ( عليه السلام ) فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به وعاقب في غير إسراف قال في المصباح فارقته مفارقة وفراقا من باب قاتل قاربته انتهى والنكال بالفتح العقوبة والتنكيل به عبارة عن عقوبته والنكتة في التقييد بقوله ( عليه السلام ) في غير إسراف النّهي عن تجاوز الحد في العقوبة نظرا إلى أن هذه العقوبة من باب النهى عن المنكر فيكتفى فيها بما يرتدع به عن المنكر فلا يجوز الزيادة على ذلك قوله وحمله على تأكد الكراهة أيضا مخالف لظاهر بكسره كما لا يخفى لان لفظه في الحديث مطلق وتقييده من غير دليل عليه في الكلام مخالف لظاهر الإطلاق قوله ( عليه السلام ) أيما رجل اشترى طعاما فحبسه أربعين صباحا ( انتهى ) الظاهر انّ هذا من سهو الناسخين إذا الموجود في نسخة الوسائل المصحّحة المعروضة على خطَّ مؤلفها فكبسه وكذا في غيرها من الكتب ومعناه على ما في المجمع جمعه أو أخفاه قوله وفي السّند بعض بنى فضال هو علي بن حسن بن علي بن فضال لان سند الخبر في الوسائل هكذا محمّد بن الحسن في المجالس والاخبار عن أحمد بن عبدون عن علي بن محمّد بن الزبير عن علي بن الحسن بن فضال عن العباس بن عامر عن أحمد بن رزق عن أبي مريم عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال قال رسول اللَّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أيّما رجل اشترى طعاما فكبسه ( انتهى ) قوله و ( الظاهر ) انّ الرّواية مأخوذة من كتبهم الَّتي قال العسكري ( عليه السلام ) عند سؤاله عنها خذوا بما رووا وذروا ما رأوا يعنى خذوا بما رووا في كتبهم بقرينة كون السؤال عنها اعلم أن هذه العبارة اشتملت على دعويين الأولى استظهار كون الرّواية مأخوذة من كتب بنى فضال ولم أقف له على شاهد سوى ما عن الفهرست من قوله في علي بن الحسن بن علي بن فضال فطحي المذهب كوفي ثقة كثير العلم واسع الاخبار جيد التصانيف غير معاند وكان قريب الأمر إلى أصحابنا الإماميّة القائلين بالاثني عشر وكتبه في الفقه مستوفاة في الاخبار حسنه اجتزنا بكتبه قراءة عليه أكثرها والباقي أجازه أحمد بن عبدون عن علي بن محمّد بن الزبير سماعا وإجازة عنه انتهى ولكن من ذكر في هذه العبارة أنّه ردى كتبه وان كان هو راوي الحديث المذكور عنه الَّا ان شهادتها بالمطلوب انّما يتم بعد ثبوت مقدّمة أخرى من الخارج وهي ان جميع ما رواه مضبوط في كتبه وإثباتها لا يخلو عن الاشكال والذي يهون الخطب هو انّ مدّعى ( المصنف ) ( رحمه الله ) انّما هو الظن ولا مانع من حصوله من استقرأ أحوال المشايخ الرّواة ووجدان استقرار عادتهم على ضبط ما رووه في كتبهم خصوصا بنى فضال الموصوفين بكثرة التصانيف ولا تكون غالبا الا بالاهتمام بضبط جميع المسموعات الثانية ان أذنه ( عليه السلام ) في الأخذ بما رووا ونهيه عن الأخذ بما رأوا مخصوص بكتبهم وقد أشرنا إلى أن الدليل على هذه الدّعوى وقوع السؤال عن كتبهم فيكون كلامه ( عليه السلام ) في تقدير خذوا بما رووا في كتبهم ويمكن المناقشة في ذلك بأنّ العبرة بعموم اللفظ